فخر الدين الرازي
180
تفسير الرازي
سورة البلد عشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى كَبَدٍ ) * . أجمع المفسرون على أن ذلك البلد هي مكة ، واعلم أن فضل مكة معروف ، فإن الله تعالى جعلها حرماً آمناً ، فقال في المسجد الذي فيها * ( ومن دخله كان آمناً ) * وجعل ذلك المسجد قبلة لأهل المشرق والمغرب ، فقال : * ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) * ( البقرة : 644 ) وشرف مقام إبراهيم بقوله : * ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) * ( البقرة : 125 ) وأمر الناس بحج ذلك البيت فقال : * ( ولله على الناس حج البيت ) * ( آل عمران : 97 ) وقال في البيت : * ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ) * ( البقرة : 125 ) وقال : * ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً ) * ( الحج : 26 ) وقال : * ( وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) * وحرم فيه الصيد ، وجعل البيت المعمور بإزائه ، ودحيت الدنيا من تحته ، فهذه الفضائل وأكثر منها لما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها ، فأما قوله : * ( وأنت حل بهذا البلد ) * فالمراد منه أمور أحدها : وأنت مقيم بهذا البلد نازل فيه حال به ، كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه عليه الصلاة والسلام مقيم بها وثانيها : الحل بمعنى الحلال ، أي أن الكفار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات ، ثم إنهم مع ذلك ومع إكرام الله تعالى إياك بالنبوة يستحلون إيذاءك ولو تمكنوا منك لقتلوك ، فأنت حل لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك ، عن شرحبيل : يحرمون أن يقتلوا بها صيداً أو يعضوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك ، وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب له من حالهم في عدوانهم له وثالثها : قال قتادة : * ( وأنت حل ) * أي لست بآثم ، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت ، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له ، وما فتحت على أحد قبله ، فأحل ما شاء وحرم ما شاء وفعل ما شاء ، فقتل عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحرم دار أبي سفيان ، ثم